Tuesday, October 15, 2019

الجوكر ولعبة الوجود


قراءة


في تاريخ استحالية العدالة

ما بين مفهوم الخطاب البنيوي في جوهره وسيولة التفكيك معادلة كميائية صاحبة مشاهدة فيلم الجوكر هناك بالطبع تلك الانحيازات المسبقه التى شكلت عدسات الرؤية فمعظم الاخبار الواردة عن الفيلم والنصوص الخائضه فيه رجحت عدسة رؤيته كنص عن استحالة العدالة .
فإذا كان فيلم الماتريكس في تأويل له _مشروعية _جسد بشكل ما مفهوم الخطاب والسلطة "وأثرهما " على صياغة الوجود كما وصفه الفليسوف الفرنسي ميشيل فكو فمن الممكن قراءة الجوكر كهامش تفكيكي لمفهوم العدل بالاحالة لمعاصره الفرنسي جاك دريدا ومنهجه التفكيكي

وإذا كان للكتابة أدوتها وقواعدها فللقراءة كذلك منهجها وقواعدها والنص" أى نص" سواء كان مكتوب أو مسموع أو مشاهد يعكس أفق وعي مبدعه ويحمل ايضاً في تلافيفه هامش لاوعي مبدعه ، القابل للقراءة بقدر ما يتيسر من فهم ممكن الخطاب الذى يصدر عنه ولهذا (كنت أرى ) ان النص ليس فقد يضمر لذته كما يري لوران بارت ولكنه اخطر من هذا يضمر عورته ويداريها ولعل شىء من هذا يفسر السر في الامتناع عن الكتابه عند بعض الحكماء في التاريخ من سقراط وحتى النفري
فيلم الجوكر بين الحيدة وعورة النص
بالطبع هناك قصديه فى حشد كل هذه الاشارات والمعاني والعلامات والرموز أعلاه ليس بغرض ضبط مرجعية القراءة ولكن لأشهار عدسات التحديق المستخدمه في النص ليسهل التميز بين الادوات المترجمة ومواضع تحويلها فإذا كانت الرؤية الكلية تستمد من تلك العدسات بعض الابصار فإن محاولات "التبصر" تستدعى إدواتها العرفانية والتى تنطلق من مفهوم الحيدة والعورة
فإذا اتفقنا على تعريف " الحيدة " أنها تعميتك الحق عن قناعة بأستحالته ، فإن العورة يقصد بها محاولة توصيف لعملية جوهرية الا وهى تقبل تلك المساحة المراوغة التى تصوغ ثقل الوجود على الكائن الحي و معاذيره التى هى بطريقة ما تحفز الكائن أن يستبده (من بداهه ) ويرجح غريزة البقاء على جوهر الوجود
التمثيل والتمثل والمثلة
فى تجسيد شخصية مكتوبه لتعبر عن رؤية تبدو العلاقة بين الممثل والشخصية علاقة اشكالية فبقدر أختفاء الممثل تتجسد الشخصية ما اصطلح على التعبير عنه بالاندماج تبدو حالة الاندماج في فيلم الجوكر استثنائية بأمتياز و بقصدية مبدعه لأختزان المعنى وتحويله شجن  في اول مشهد قام الممثل بأستعراض اجراءات رسم القناع الخارجي فوق الوجه ونزعه في ذات الوقت من تحت الجلد بمشاعر القهر التى افلتت مجسده دمعة مزجت الداخل بصبغة الخارج ملخصة جوهر الرؤية في الفيلم وكأنها محاكاة معاكسة لتقنية (فمتو ثانية ) لتكثيف ساعتان من المشاهدة في مشهد واحد  كعلامة على خصوصية عملية الإنصهاربين الشخصية ومن يجسدها
وبصرف النظر عن تاريخانية شخصية الجوكر في قصة السينما الحديثة وتعدد التأويلات لها فإن مآل شخصية الجوكر في الرؤية هنا هومآل تفكيكي بأمتياز فإذا كان الجوكر يمثل في ثنائية الخير والشر فالرؤية هنا تسائل المفهوم المنتج لهم ذاته الاوهو مفهوم العدل ليس من زاوية قضية تلاشى مفهوم العدل وتعارضه الجوهرى مع الخطاب الرأسمالى كزريعة تبريرية اعتذارية ولكن من من زاوية الخلل البنيوي الذى آلت له النظم في العالم نتيجه لهيمنة الرأسمالية دون منازع ، وحقيقة أن بديلها يستعصى على التشكل لتغول قدرتها على سحق أى أمكانية لقيامه في العالم ،ولكن ببساطه لأن مفهوم العدل نفسة تشبع بخطاب الرأسمالية وإرادة القوة والانحياز لاسباب التمكين فلا تفسير لمجانية استحلال العنف وشرعنة القسوة واستباحة العاجزين والتعامل معهم كنفايات بشرية بدون ، استبطان تجريم افتقارهم لشروط النجاح في داخل النظام
هنا المشكلة لم تصبح مشكلة اصلاح نظام بقدر ما هى مسألة تغولة كخطاب واقع شبه ميتافزيقي ، ما يسيتدعى استحضار سؤال وجودي عن مآل ماهية الانسان داخل هذا الواقع أوالانتباه لسؤال ما هو الانسان اصلا وجوهر وجوده في الحياة ، اهومجرد كيان استهلاكي بمعنى أن وجوده و"كرامته" وقيمته مستمد من كونه مطلق انسان ، أم أنه وجوده وقيمته يتوقف على قدرته من التأهل والاستجابه لقانون السوق أى أنه هو بالضبط ما ينتج ويستهلك ، وما يستطيع أن يراكم بينهما بما يوفر له شراء حجم وجوده من المهيمنين عليه ممن صنعوا وروجومعاييرمظهرة الوجود وفق مؤشراتهم وان قدر الانسان يتمثل في قدرته على تمويل صحته واستغلال الواقع بكل تفاصيله لصالحه فى تلك المساحة استطاع المخرج أن يجسد القهر على الشاشة كسبب أكثر من شرعي للانفجار
القهر والقاهر والمقهور
وفي الشَرِّ نَجَاةٌ حينَ لا يُنْجِيكَ إِحْسَانُ
وبَعْضُ الحِلْمِ عندَ الجَهْلِ لِلذَّلَّةِ إِذْعَانُ
الفِنْد الزماني
شاعرجاهلى شارك في حرب البسوس

القتل العشوائى في الفيلم لايبدو كتوظيف لاختلال المعايير واستقرار التمييز والظلم وحسب ولكنه رمز لتفسخ منطق الوجود نفسه ، - فالصرصار يفزع ويتخبط فى كل وجهة هارباً من سحق الحذاء محتفياً بوجوده كصرصار أنها غريزة جوهرية اساسية في  صراع الوجود لكل كائن حي ـ فشهوة الحياة كما عبر عنها اونوريه دي بلزاك 
 فى روايه بهذا الأسم بداهة وجودية  لهذا ففي اللحظه التى يتردد المشاهد أمام فعل القتل ويرتبك بين الجاني والضحية بين القاهر والمقهور يحدث خلل ما يصل من خلاله النص/المخرج الى تفعيل الانتباه لجوهر نفعية التعاطف وقوة الإحسان والتراحم "والتضايف "   كخيار وجود كان كفيل بحفظ حياة هؤلاء الشباب اصلا ضد وحش هم بذاتهم يصنعوه فخيار الفضيلة ليس خيار أخلاقى فقد ولكنه خيار صحيح ونفعى بأكثر مما يتخيل المتعاليين عليه ثقة في قدرة موهومة فليس أخطر على الوجود من الذين يتساوى عندهم الموت والحياة ومن يستقر في ضميرهم أن بطن الأرض أهون كثيراً جداً من جحيم الحياة وقسوة الانسان فالنزوع الى العدم وجه من وجوه الوجود او وجه من اوجه الدفاع عن الوجود
( ضد من ومتى القلب في الخقان أطمآن)
فلنتأمل على سبيل المثال استشراف شاعر على أفول نسق حضاري ما بعد استكمال ذروته فى القرن الرابع الهجري وتأكل تركيبته العصبية أمام بزوغ عصبيات مغايره يقول أبو الطيّب المتنبي (303هـ - 354هـ) (915م - 965م) :
فما لي وللدّنْيا! طِلابي نُجومُها ومَسعايَ منها في شُدوقِ الأراقِمِ
من الحِلمِ أنْ تَستَعمِلَ الجهلَ دونَه إذا اتّسعتْ في الحِلمِ طُرْقُ المظالِمِ
وأنْ تَرِدَ الماءَ الذي شَطْرُهُ دَمٌ فتُسقَى إذا لم يُسْقَ مَن لم يُزاحِمِ
ومَنْ عَرَفَ الأيّامَ مَعرِفتي بها وبالنّاسِ رَوّى رُمحَهُ غيرَ راحِمِ
فَلَيسَ بمَرْحُومٍ إذا ظَفِروا به ولا في الرّدى الجاري عَلَيهم بآثِمِ
إذا صُلْتُ لم أترُكْ مَصالاً لفاتِكٍ وإنْ قُلتُ لم أترُكْ مَقالاً لعالِمِ

الهوية والوجود
تمثل العلاقة العاطفية الحميمة التى صنعها المخرج كمناوشة جانبية بين "البطل " وجارته داخل وهم البطل تبدو هامش على هوية البطل الجنسية ومدى مساحة الكبت الذى يعانية أى انه فى ذاته كان مستسلم لاستحالة أن يعيش هويته الجنسية ،كان خجلا من مشاعرة ، كان مستبطن لضائلته ورافضها في ذات الآن ، لقد كان الانحياز للجسد هوية
استطاع الجوكر أن يستخدم جسده كوسيلة تعبير ولغة مبدعه وان يستعيض من خلال لغة الجسد احتجاب لغة العين تحت الماسك وانتزع بأقتدر رسائل مبدعه على هامش ذاكرة السينما من احدب نتردام حتى الجميلة والوحش
نجح النص/المخرج من رصد القسوة من خلال تفشيها فى بنية المجتمع وليس فى طبقة واحده أى انه رصدها فى كل ما يحيط بوجود الجوكر في طبقته فى محيط عمله قبل أن ينتقل الى أعلى سلم المجتمع وبهذا قدم تقرير وافى عن جوهر خطاب العنف ومدى تفشية ومشروعيته المكتسبه، فليس هناك تبرير لقتل زميل العمل الذى أعطاه المسدس الا هذا التسمم المتفشي والانتهاك المجاني والاستهتار المميت

شر البلية ما يضحك
هو تعبير صاغه العرب يناسب تلك المساحة من الارتباك بين التتراجيديا والكوميديا التى تتلبس وجود الجوكرفرغم تحول الجوكر لمكينة قتل الا أنه لم يمارس القتل كمتعه ولكنه كاد ان يمارسه كملاذ أخير أمام استحالة التواصل اصبح القتل تعبير عن الفرار من الشعور بالعدم انه العلامة الوحيدة أو الاستهلاك الوحيد الذى ينتصر به على عدمه
لقد كان عجزه عن التواصل مع حقيقة كونه متبنى عجز حتمي ويجعل من وجوده وعاهته مآساة عبثيه ومجانيه لقد شكل هذا العجز أتساق لدوافع ترجيحه للتحول" الانحياز" لكيان الجوكر لقد هدم بقتله للأم الافتراضية وجوده المفترض وحطم الحاجز الأخير لأكتمال ميلاد كيانه العدمي
الشرط الكافي للجنون
عندما تعجز البرجماتية عن تفسير الغاية يكون من المناسب لها رسم حدود الجنون ، ففي  عملية القتل المشفرة قصدياً بين الوهم والتهويم في المشهد الاخير للمشرفة الطبيه التى تمثل المؤسسة والتى تستدعي في مشهد سابق بأن نسق النظام لايأبه" به او بها " فى حين أنها على الحقيقة تتواطىء مع النظام ما يطرح سؤال معلق عن مدى حقيقة جنونه اصلا وان كون الجنون كان وسيلته الاساسية في الانتقام أم انه  كان وسيلته الوحيدة في الحضور /الوجود  كجوكر بعد "مسرحة اشتشهاده المعلن  " التى انحاز  فيها لجوهرالوجود على غريزة البقاء وهو يطلق رصاصة تدشين ميلاده كجوكر على رأس مثله الأعلى  
هنا وعلى هامش خطاب العنف شىء ما يلقي بظلال ما على مفهوم الارهاب وتوظيفه فى الخطاب السياسي المعاصر منذ الحرب العالمية الثانية عندما اطلقه النظام النازي المحتل على المقاومة الفرنسية للاحتلال ففي الرؤية هامش قراءة لمفهوم الشر المطلق ليس فقد الشر القادم من الأخر المختلف وهذا يمثل نوع من النضج في التعامل مع مسئلة الوجهة الصحيحة في مقاومة القبح هل هو قبح الآخر الحاقد أم القبح الذاتى المتولد من اسلوب الحياة ونسق الوجود الغربي نفسه ، الذى يتحكم في عملية صناعة الرأى العالمي ووضع الأوليات ويحدد ،نوع القضايا الجديره بالاهتمام ويحدد ايضا اسلوب مقاومتها ومدى تجريمها شاء العالم أم أبي بحكم تحكمه في التقنية
الرقص مع المشاهد
الرقص واللامبالة أو استعادة التحكم في الجسد على هوى المشاعر كانت بحد ذاتها لغة شفرية مركبة في الفيلم بين الجوكر والمشاهد تعكس ايقاع الواقع داخل كيان الجوكر  وزحف هذا الكيان ليتلبس الشخصية 
فبين ساحة الرقص "كادر السلالم "بين الخروج والدخول لمنزله تطور ايقاع الرقص في طرح تصاعدي ونسقية تعبير كانت في مجملها بيان ومؤشرعن مدى تمساك بنية الشخصية في مواجهة المصير منذ اول مشاهد الرقص حتى آخر مشهد بابتسامة الدم دمه هو كمسيح اللانتقام من الصالبين لوجوده